فخر الدين الرازي

624

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النوع الرابع : من السحر : التخيلات والأخذ بالعيون ، وهذا الأخذ مبني على مقدمات : إحداها : أن أغلاط البصر كثيرة ، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً . وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً ، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً ، والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة ، والعنبة ترى في الماء كبيرة كالإجاصة ، والشخص الصغير يرى في الضباب عظيماً ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيماً ، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت ، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيراً فظاهر ، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة ، وثانيها : أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار ما ، فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض ، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت ، فإن الحس يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان ، وثالثها : أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء ، فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به البتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان آخر ويتكلم معه ، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه ، لما أن قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكبر منها ، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئاً مما في المرآة ، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر ، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئاً آخر عملًا بسرعة شديدة ، فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين ، أحدهما : اشتغالهم بالأمر الأول ، والثاني : سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جداً ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله ، فهذا هو المراد من قولهم : إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ العيون إلى غير الجهة التي يحتال فيها وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله ، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً ، فإن البصر يفيد البصر كلالًا واختلالًا ، وكذا الظلمة الشديدة / وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالًا واختلالًا ، والألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها ، فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر . النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى ، مثل : فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، وكفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد ، ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية ، حتى يفرق فيها ضحك السرور وبين ضحك الخجل ، وضحك الشامت ، فهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب ، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو أن يجر ثقيلًا